عبد السلام احمد الراغب
28
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم
يحلّل الصورة وفق مفهومه لها في ربطها بالصياغة الفنية ، ولا ينظر إليها من خلال ألفاظها المفردة ، ويرى أن الناس يرجعون جمال هذه الصورة إلى الاستعارة دون سواها ، ولم ينظروا إلى الصورة من خلال جمال النظم . فالإسناد الوارد في الصورة هو مصدر جمالها وحسنها ، فلو قيل « واشتعل شيب الرأس » ما بقي للصورة هذا الحسن والجمال ، ويعلّل الجرجاني سرّ الجمال في إسناد الاشتعال للرأس بأنه « يفيد مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى الشمول ، وأنه قد شاع فيه وأخذه من نواحيه . . . » « 37 » . فالجرجاني يركّز على أن الصورة هي في النظم أو الصياغة ، ليثبت أنّ الإعجاز في القرآن يرجع إلى نظمه وصياغته ، وأنّ الاستعارة الواردة في الآية هي من عناصر تشكيل الصورة . فليس هناك مصطلحان للصورة عند الجرجاني في كتابيه ، وإنما هو مصطلح واحد ، وضّحه في كتابه الدلائل ثم خصّص كتابه الأسرار لتوضيح عناصر التصوير وأدواته . ولولا سيطرة قضية الألفاظ والمعاني عليه لتوصّل إلى قضايا نقدية أخرى متعلقة بالصورة ، ولكنّ هذه القضية صرفته عن كثير مما كان وشيكا أن يصل إليه كما يقول سيد قطب عنه « 38 » . وقد حاول الزمخشري ( ت 538 ه ) أن يسير على طريقة الجرجاني في التصوير ، فاستخدم مصطلحات عدّة : مثل التصوير والتمثيل والتخييل ، وكلّها عنده تبرز المعاني المعقولة في صور حسية . وقد فسّر المعاني القرآنية والحقائق الدينية ، على ضوء التصوير ، فوضّح أن التشبيهات « إنما هي الطرق إلى المعاني المحتجبة في الأشياء ، حتى تبرزها ، وتكشف عنها ، وتصورها للأفهام » « 39 » . فدور التمثيل هو الكشف عن المعاني الغامضة ، والتصوير بمنزلة التشكيل لها يقول : « لأن التمثيل مما يكشف المعاني ، ويوضّحها ، لأنه بمنزلة التصوير والتشكيل لها » « 40 » . وهذه العبارة توهم أن التمثيل غير التصوير عنده ، بينما هما مصطلحان لمعنى واحد ،
--> ( 37 ) دلائل الإعجاز : ص 101 . ( 38 ) التصوير الفني في القرآن : سيد قطب ص 31 . ( 39 ) البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري : الدكتور محمد محمد أبو موسى . ص 403 . ( 40 ) المصدر السابق : ص 404 .